نخبة من الأكاديميين

60

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

ومن بينها كانت مدرسة جنديسابور التي بدأت تزدهر أيام الملك الفارسي كسرى أنوشروان ( 531 - 579 م ) بفضل العلماء النساطرة الذين تم طردهم من الرها آنذاك ؛ وفي جنديسابور اتصل العلماء اليونانيون والسريان والفرس بعلماء الهند وتأثروا ببعضهم بعضاً . هو ذا الأساس الذي قامت عليه بنية المسلمين المعرفية بالمسيحية والمسيحيين في عالمهم وفي خارج هذا العالم فمنذ البداية قامت الدولة الإسلامية برعاية ما يمكن تسميته مشروعاً للترجمة للانتفاع بعلوم السابقين في شتى مجالات الحياة . وكان المسيحيون المحليون من السريان وغيرهم حلقة الوصل بين المسلمين والتراث اليوناني القديم وبرزت أسر ذاعت شهرتها بفضل ما قام به أبناؤها من ترجمات إلى العربية . وقد أنشأ الخليفة المأمون مؤسسة خاصة ، هي التي عرفت باسم « بيت الحكمة » لترجمة علوم الأوائل من اليونانية والسريانية إلى العربية . بيد أن خالد بن يزيد ( ت 85 ه - / 704 م ) كان أول من أمر بترجمة التراث العلمي لليونان إلى اللغة العربية ، إضافة إلى تعريب ما كان مكتوبًا بالسريانية والقبطية . ويعتبر خالد بن يزيد بن معاوية الرائد الأول في نقل العلوم إلى اللغة العربية ، ما وفر أداة معرفية قوية لم تكن متاحة في أوروبا المسيحية على الجانب الآخر . وفي ما بعد لعب « بيت الحكمة » دورًا مهمًا في معرفة المسلمين بالآخر المسيحي . منذ البداية ، لم تكن محاولات الترجمة محاولات فردية بأي حال ، وإنما كانت عملًا منظمًا ترعاه الدولة نفسها . فقد أرسل المأمون بعثة إلى الدولة البيزنطية بحثًا عن المخطوطات اليونانية ، وكان من أعضائها « الحجاج بن مطر » ، « ويوحنا بن البطريق » ؛ كما أرسل بني شاكر ( محمد ، وأحمد ، والحسن ) الذين أسهموا في علم الهندسة الميكانيكية إسهامًا كبيرًا تعلم منه الأوروبيون عندما بدأت محاولاتهم الإفادة من علوم المسلمين في العصور الوسطى . كما أرسل الخليفة نفسه بعثة كان من أبرز أعضائها حنين بن إسحاق ، للحصول على المخطوطات من بلاد الروم . ويقول ابن النديم صاحب الفهرست إنهم عادوا من هناك ومعهم « . . . طرائف الكتب ، وغرائب المصنفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى ، والأرثماطيقى ( الحساب ) والطب . . . » ومن ناحية أخرى ، كان المترجمون يأتون إلى بغداد ومعهم المخطوطات التي سيتولون ترجمتها . كان التراث المكتوب باللغة اليونانية ، وتراث شعوب المنطقة العربية ، تراثا إنسانيًا جديرًا بالاحترام وجد فيه المسلمون ما يفيدهم في بناء حضارتهم . ولم تجد المشاعر الدينية المتعصبة مكاناً لنفسها في كتابات المسلمين عن أساتذتهم القدامى من ناحية ، كما أنهم لم يتركوا للتعصب فرصة حرمانهم من الإفادة من جهود المترجمين المسيحيين من ناحية أخرى . ذلك أن « الرغبة في المعرفة » كانت تميز موقف المسلمين ، كما كانت نقيضًا لموقف « الخوف من المعرفة » لدى المسيحيين في غرب أوروبا . وهكذا كان موقف المسلمين من علوم القدماء ومن المترجمين والعلماء المسيحيين ، من أهم العوامل التي أسهمت في بناء الحضارة العربية الإسلامية . وهنا ينبغي التأكيد على حقيقتين غاية في الأهمية من وجهة نظرنا :